العيني
7
عمدة القاري
أن كيفيتها هي بالتوسد المذكور . قوله : ( فانتظر الساعة ) الفاء فيه للتفريع ، أو جواب شرط محذوف يعني : إذا كان الأمر كذلك فانتظر الساعة . وليست هي جواب إذا التي في قوله : ( إذا وسد الأمر إلى غير أهله ) لأنها لا تتضمن ههنا معنى الشرط . فإن قلت : كان ينبغي أن يقال : لغير أهله . قلت : إنما قال : إلى غير أهله ، ليدل على معنى تضمين الإسناد . بيان المعاني : قوله : ( متى الساعة ؟ ) أي : متى يكون قيام الساعة . قوله : ( فكره ما قال ) : أي فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله الأعرابي ، ولهذا لم يلتفت إلى الجواب . فلذلك حصل للصحابة ، رضي الله عنهم ، التردد ، منهم من قال : سمع فكره ، ومنهم من قال : لم يسمع ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها . قوله : ( أين السائل عن الساعة ؟ ) أي عن زمان الساعة . قوله : ( إذا وسد الأمر ) المراد به جنس الأمور التي تتعلق بالدين : كالخلافة والقضاء والإفتاء ، ونحو ذلك . ويقال : أي بولاية غير أهل الذين والأمانات . ومن يعينهم على الظلم والفجور ، وعند ذلك تكون الأئمة قد ضيعوا الأمانة التي فرض الله عليهم حتى يؤتمن الخائن ويخون الأمين ، وهذا إنما يكون إذا غلب الجهل وضعف أهل الحق عن القيام به . فإن قلت : تأخر الجواب عن السؤال ههنا ، وهل يجوز تأخيره فيما يتعلق بالدين ؟ قلت : الجواب من وجهين : الأول : بطريق المنع ، فنقول : لا نسلم استحقاق الجواب ههنا ، لأن المسألة ليست مما يجب تعلمها ، بل هي مما لا يكون العلم بها إلا لله تعالى . والثاني : بطريق التسليم فنقوله : سلمنا ذلك ، ولكنه يحتمل أن يكون ، عليه السلام ، مشتغلاً في ذلك الوقت بما كان أهم من جواب هذا السائل ، ويحتمل أنه أخره انتظاراً للوحي ، أو أراد أن يتم حديثه لئلا يختلط على السامعين ، ويحتمل أن يكون في ذلك الوقت في جواب سؤال سائل آخر متقدم ، فكان أحق بتمام الجواب . بيان استنباط الأحكام : وهو على وجوه . الأول : فيه وجوب تعليم السائل لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أين السائل ) ثم إخباره عن الذي سأل عنه . الثاني : فيه أن من آداب المتعلم أن لا يسأل العالم ما دام مشتغلاً بحديث أو غيره ، لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم أن لا يقطعه عنهم حتى يتمه . الثالث : فيه الرفق بالمتعلم وإن جفا في سؤاله أو جهل ، لأنه ، عليه الصلاة والسلام ، لم يوبخه على سؤاله قبل إكمال حديثه . الرابع : فيه مراجعة العالم عند عدم فهم السائل ، لقوله : كيف إضاعتها ؟ الخامس : فيه جواز اتساع العالم في الجواب أنه ينبغي منه ، إذا كان ذلك لمعنى أو لمصلحة . السادس : فيه التنبيه على تقديم الأسبق في السؤال لأنا قلنا : إنه يحتمل أن يكون تأخير الرسول صلى الله عليه وسلم الجواب لكونه مشغولاً بجواب سؤال سائل آخر ، فنبه بذلك أنه يجب على القاضي والمفتي والمدرس تقديم الأسبق لاستحقاقه بالسبق . 3 ( ( بابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعلْمِ ) ) أي : هذا باب من رفع صوته ، فالباب : خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى : من ، وهي موصولة ، ورفع صوته ، جملة صلتها . فإن قلت : كيف يتصور رفع الصوت بالعلم ، والعلم صفة معنوية ؟ قلت : هذا من باب إطلاق اسم المدلول على الدال ، والتقدير : من رفع صوته بكلام يدل على العلم . فإن قلت : ما وجه المناسبة بين البابين ؟ قلت : من حيث إن المذكور في الباب السابق سؤال السائل عن العلم ، والعالم قد يحتاج إلى رفع الصوت في الجواب لأجل غفلة السائل ونحوها ، لا سيما إذا كان سؤاله وقت اشتغال العالم لغيره ، وهذا الباب يناسب ذاك الباب من هذه الحيثية . 60 حدّثنا أبُو النُّعْمانِ عَارِمُ بنُ الفَضْلِ قال : حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بنِ ماهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمُرٍ وقال : تَخَلَّفَ عَنَّا النبيُّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاها فأَدْرَكَنا وقَدْ أرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ ونَحْنُ نَتَوضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمسَحُ عَلَى أرْجُلِنَا ، فَنَادَى بِأعْلى صَوْتِهِ : ( ويْلٌ لْلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ) مَرَّتَيْن أوْ ثَلاَثاً مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، وهي في قوله : ( فنادى بأعلى صوته ) ، وهو رفع الصوت .